في يناير 2001، عاد روبرت هانسن إلى مقر مكتب التحقيقات الفيدرالي وفي انتظاره مكتب جديد ومساعد شاب وعرض بترقية وتمديد خدمته عامين. بالنسبة إلى ضابط يقترب من التقاعد، بدا العرض استمرارًا لمسيرة طويلة. لكن المكتب كان مجهزًا بكاميرات وميكروفونات سرية، والمساعد إريك أونيل مكلفًا بإبلاغ المحققين بتحركاته.
الجهاز الذي أمضى هانسن سنوات يعمل داخله كان يستعد للإمساك به متلبسًا بالتجسس. هكذا يروي ملف القضية لدى الـFBI مفارقة العرض: لم تكن الترقية مكافأة على الخيانة، وإنما جزءًا من عملية لإعادته إلى مكان يمكن مراقبته فيه.
استمع إلى حلقة روبرت هانسن كاملة
ضابط يعرف أين توجد الأسرار
انضم هانسن إلى الـFBI سنة 1976. وخلال مسيرته عمل في ملفات مكافحة التجسس السوفيتي، ووصل إلى وظائف أتاحت له الاطلاع على معلومات شديدة الحساسية. كان يعرف قيمة الوثيقة التي يفتحها، والضرر الذي يمكن أن يحدث إذا انتقلت إلى الطرف الآخر.
في حياته المعلنة كان أبًا لستة أبناء وكاثوليكيًا متدينًا ومعاديًا للشيوعية. لكن الصورة الاجتماعية، مهما بدت مطمئنة، لا تكشف وحدها ما يفعله صاحبها حين يغلق باب مكتبه. وقد تناول تقرير المفتش العام الصادر في أغسطس 2003 هذه الفجوة بين مظهره الشخصي وسلوكه المهني.

خيانة امتدت عبر مراحل متقطعة
تحدد مراجعة المفتش العام بداية تجسسه في نوفمبر 1979، ثم تقسم نشاطه إلى ثلاث فترات: 1979–1981، و1985–1991، و1999–2001. لذلك فإن اختصار القصة إلى اثنين وعشرين عامًا من التجسس المتواصل يطمس فترات التوقف والعودة.
في المرحلة الأولى اتصل بالاستخبارات العسكرية السوفيتية GRU، ثم تعامل لاحقًا مع الـKGB وخلفائه. وتغيرت الدولة المقابلة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، لكن قيمة وصوله إلى المعلومات الأمريكية بقيت عالية. ليست القصة اختراقًا وقع مرة واحدة وانتهى، وإنما سلسلة قرارات عاد فيها إلى بيع الأسرار.
ما الذي كان يشتريه الطرف الآخر؟
لم يكن ما خرج من الجهاز مجرد أوراق تحمل كلمة «سري». تضمنت المعلومات هويات مصادر بشرية وعمليات استخباراتية وتفاصيل عسكرية. وتذكر مراجعة وزارة العدل اللاحقة سنة 2007 أن ثلاثة على الأقل من المصادر البشرية التي كُشفت هوياتها أُعدموا.
هذه الكلفة تفسر لماذا لا تكفي صورة الجاسوس الذكي وحده لفهم القضية. على الجانب الآخر من كل اسم ومعلومة كانت هناك عمليات وعلاقات وثقة وحياة أشخاص معرضة للخطر. وما يربحه بائع السر لا يساوي ما يخسره من انكشف بسبب ذلك السر.
مطاردة في الاتجاه الخطأ
بعد كشف جواسيس آخرين، ظل وجود اختراق جديد في مجتمع الاستخبارات احتمالًا قائمًا. لكن التحقيق ركز طويلًا على موظف في وكالة الاستخبارات المركزية CIA، بينما كان الرجل المطلوب يعمل في مؤسسة التحقيق نفسها.
توضح المراجعات الرسمية أن صعوبة رؤية التهديد الداخلي كانت جزءًا من المشكلة. عندما تصبح الفرضية المفضلة هي أن مصدر التسريب يوجد في الجهة الأخرى، يمكن أن تمر الإشارات التي تعارضها من دون أن تنال وزنها. وهنا تجاوزت القضية إخفاق شخص واحد في قراءة دليل، ووصلت إلى طريقة بناء التحقيق كله.
عرض الترقية والمكتب الجديد
في سنة 2000، حصل المحققون على وثائق روسية أصلية وجهت الانتباه إلى هانسن، ثم جمعوا ما يؤكد الاشتباه. ومع اقتراب موعد تقاعده، كان الهدف أن يظل تحت المراقبة وأن يُضبط وهو يمارس نشاطه.
من هنا جاء عرض التكليف والترقية والتمديد. وبحلول فبراير 2001، كان نحو 300 شخص يعملون على قضيته ويتابعون تحركاته. المكتب الجديد الذي افتتحنا به الحكاية كان مرحلة في المطاردة، لا دليلًا على أن المؤسسة قررت التغاضي عن خيانته.
حقيبة عند جسر في فوكسستون
في 18 فبراير 2001، توجه هانسن إلى حديقة فوكسستون في فيرجينيا حاملًا مواد سرية ملفوفة في كيس بلاستيكي. استخدم نقطة تسليم قرب جسر مشاة، ثم تحرك عائدًا إلى سيارته. في طريق العودة قبض عليه فريق الـFBI.

انتهت عند الجسر عملية المراقبة الأخيرة، لكن قياس الضرر لم ينتهِ مع القبض. كان على المحققين أن يفهموا ما الذي نقله، ومن تضرر، وأي أسرار ظلت معرضة للخطر.
الاعتراف والحكم
في 6 يوليو 2001، أعلنت وزارة العدل أن هانسن أقر بذنبه في قضية التجسس. وتضمن بيان الإقرار الرسمي اتفاقًا بالسجن مدى الحياة من دون إفراج مشروط، والتزامًا بجلسات استجواب وتفريغ معلومات لتقييم نطاق نشاطه وأثره.
كما تضمن الاتفاق مصادرة أصول تصل قيمتها إلى 1.437 مليون دولار، دُفعت له أو خُصصت له من الاتحاد السوفيتي وروسيا، والتنازل عن حقوق الانتفاع المالي بالدعاية المتعلقة بتجسسه. كانت هذه الشروط جزءًا من محاولة معالجة نتائج القضية، لا مجرد إعلان انتهاء المطاردة.
وفي 10 مايو 2002، صدر الحكم بالسجن مدى الحياة من دون إفراج مشروط. توفي هانسن في السجن يوم 5 يونيو 2023، عن 79 عامًا، وفق ملف الـFBI.
لماذا ظلت الخيانة ممكنة؟
خلصت مراجعة المفتش العام إلى أن استمرار هانسن لم يكن برهانًا على عبقرية خارقة بقدر ما كشف عيوبًا متراكمة في الأمن الداخلي ومكافحة التجسس. وطرحت توصيات لتقوية الرقابة وتوثيق المعلومات المتعلقة بالمخاطر الداخلية وتحسين التنسيق بين الجهات.
وعندما راجع المفتش العام التنفيذ في تقرير سبتمبر 2007، سجل تقدمًا في عدة مجالات، مع بقاء توصيات مهمة غير مكتملة آنذاك. هذه ملاحظة عن وضع الإصلاح وقت المراجعة، وليست وصفًا تلقائيًا لما عليه الجهاز اليوم.
قضية هانسن تترك سؤالًا يتجاوز عالم الجواسيس: كيف تُراجع مؤسسة قوية الثقة التي تمنحها للعاملين داخلها؟ ولماذا تحتاج الأدلة التي تناقض توقعاتنا إلى عناية أكبر، لا إلى استبعاد أسرع؟
استمع إلى الحكاية كاملة
هذه الصفحة ترافق النسخة الصوتية من حلقة صندوق الجرائم، بأداء مصري ومدة تقارب 51 دقيقة و35 ثانية. تضم الحلقة الهوك الجديد والفصول السبعة، وتعود إلى الوقائع والروايات المنسوبة إلى مصادرها.
تشغيل البودكاست — RSS العربي لصندوق الجرائم
00:00 ترقية ولا فخ؟ 02:07 البداية في شيكاغو 10:45 أول خيانة 17:41 رسائل إلى الـKGB 27:23 مقابلة خطيرة في الجراج 31:50 البحث في المكان الغلط 40:28 الملف الذي جاء من موسكو 45:50 سقوط روبرت هانسن
المصادر الرئيسية
ملف روبرت هانسن — مكتب التحقيقات الفيدرالي
تقرير المفتش العام عن أداء الـFBI في قضية هانسن — أغسطس 2003
إقرار هانسن بالذنب وشروط الاتفاق — وزارة العدل، 6 يوليو 2001
مراجعة تنفيذ توصيات تقرير هانسن — المفتش العام، سبتمبر 2007
صورة الغلاف تركيب تحريري مولد بالاستناد إلى صورة هانسن الأصلية، وليست لقطة أرشيفية لحدث. الصورتان داخل المقال لهانسن ولموقع الجسر من الصور الأصلية المنشورة لدى الـFBI.



