كيف تحوّل رجل توقف تعليمه عند المرحلة الإعدادية إلى عميد وخبير مقرب من رئيس الجمهورية، ثم انكشف كعميل يعمل لصالح إسرائيل؟

لم يكن علي خليل العطفي ضابطًا في الجيش، ولا دبلوماسيًا يعمل داخل سفارة، ولا موظفًا يمتلك حق الوصول إلى الخزائن العسكرية المغلقة.

كان رجلًا بدأ حياته بتعليم محدود، وتنقل بين أعمال بسيطة، ثم تعلم التدليك والعلاج الطبيعي بالممارسة. وبمرور السنوات، استطاع أن يبني حول نفسه صورة اجتماعية ومهنية شديدة الإقناع، حتى أصبح اسمه معروفًا داخل أندية ومؤسسات ودوائر تضم شخصيات نافذة.

لكن خلف صورة «الدكتور» والعميد المحترم، كانت توجد حياة أخرى تمامًا.

حياة فيها اتصالات سرية، وشهادة أكاديمية مزورة، وجهاز لاسلكي، وكتاب شفرة، وشرائح ميكروفيلم، ورحلات متكررة إلى هولندا.

والأخطر من كل ذلك، أن الرجل وصل إلى واحدة من أكثر الدوائر حساسية في مصر: الدائرة الخاصة للرئيس أنور السادات.

هذه هي قصة علي خليل العطفي، الذي اشتهر لاحقًا بلقب «جاسوس السادات».

بداية بعيدة تمامًا عن القصور

تذكر الروايات الصحفية أن علي خليل العطفي وُلد في القاهرة عام 1922، ونشأ في حي السيدة زينب.

لم يكمل تعليمًا جامعيًا، وتوقف مساره الدراسي عند حدود المرحلة الإعدادية. وبعد ذلك، تنقل بين مجموعة من الأعمال البسيطة، فعمل في متجر للبقالة، وفي فرن، ثم داخل صيدلية.

لم يكن في هذه البداية ما يشير إلى أن العطفي سيصبح يومًا ما عميدًا لمؤسسة أكاديمية، أو أن اسمه سيُذكر في واحدة من أشهر قضايا التجسس المصرية.

كانت الصيدلية، على ما يبدو، محطة مؤثرة في حياته. فمن خلالها بدأ يتعرف إلى عالم التدليك والعلاج الطبيعي، وتعلم جانبًا من المهنة عمليًا على أيدي متخصصين أجانب كانوا يعملون في مصر.

لم يتعلم العطفي داخل كلية، ولم يحصل في هذه المرحلة على مؤهل أكاديمي حقيقي، لكنه اكتسب خبرة عملية واضحة، واستطاع أن يطوّر مهارة ربما كانت أهم من التدليك نفسه: القدرة على التعامل مع الناس وكسب ثقتهم.

كان يعرف كيف يستمع، وكيف يتحدث، ومتى يصمت. ومع الوقت، بدأ اسمه ينتقل من عميل إلى آخر، ووجد طريقه تدريجيًا إلى طبقات اجتماعية أكثر ثراءً ونفوذًا.

الخبير الذي يطارده سؤال واحد

إعادة تمثيل فنية لمكتب العلاج الطبيعي في القاهرة
إعادة تمثيل فنية لمكتب العلاج الطبيعي في القاهرة

نجح العطفي في بناء سمعة مهنية، وبدأ يتعامل مع رياضيين وشخصيات عامة وأصحاب علاقات واسعة.

لكن نجاحه كان يحمل بداخله مشكلة خطيرة.

كلما كبرت مكانته، أصبح من الطبيعي أن يسأله الناس عن مؤهلاته الأكاديمية. ومع تحوّل العلاج الطبيعي تدريجيًا إلى مجال أكثر تنظيمًا وارتباطًا بالدراسة الجامعية، لم تعد الخبرة العملية وحدها كافية لتبرير المكانة التي وصل إليها.

كان العطفي يستطيع أن يثبت أنه مارس المهنة سنوات طويلة، لكنه لم يكن يستطيع تقديم شهادة جامعية حقيقية تتناسب مع الصورة التي صنعها لنفسه.

وفي هذه النقطة تحديدًا، التقى طموحه الشخصي مع احتياجات جهاز مخابرات أجنبي.

هولندا: الزواج وغطاء السفر المثالي

إعادة تمثيل فنية لسفر العطفي إلى هولندا
إعادة تمثيل فنية لسفر العطفي إلى هولندا

ارتبط علي العطفي بهولندا، وتزوج من سيدة هولندية تُذكر في بعض المصادر باسم آنا ماريا جوهانس.

منحه هذا الزواج سببًا طبيعيًا للسفر المتكرر إلى أمستردام. وبالنسبة إلى المحيطين به، لم يكن غريبًا أن يسافر رجل يعمل في مجال العلاج الطبيعي إلى أوروبا، خصوصًا إذا كانت زوجته هولندية.

لكن بعض هذه الرحلات حملت هدفًا آخر.

بحسب الروايات التي نقلت معلومات من ملف القضية، توجه العطفي عام 1969 إلى الإسرائيليين في هولندا، وعرض عليهم التعاون من تلقاء نفسه.

وهذه النقطة من أهم ما يميز قضيته.

العطفي، وفق هذه الروايات، لم يُختطف أو يُجبر على التجسس في البداية، ولم يقع في فخ عاطفي تقليدي. بل ذهب بنفسه وقدم نفسه بوصفه شخصًا مستعدًا للعمل لصالح إسرائيل.

الإسرائيليون لم يثقوا به فورًا

ظهور رجل مصري داخل جهة إسرائيلية وعرضه التعاون لم يكن كافيًا لقبوله فورًا.

بالنسبة إلى أي جهاز مخابرات، قد يكون الرجل عميلًا حقيقيًا، أو طُعمًا أرسلته مخابرات خصم، أو شخصًا يبالغ في أهميته وقدرته على الوصول إلى المعلومات.

لذلك خضع العطفي لفترة اختبار طويلة، قيل إنها تجاوزت عامًا ونصف العام واقتربت من عامين.

خلال هذه الفترة، جرى تقييم التزامه وقدرته على تنفيذ التعليمات والمحافظة على السرية. كما كان على الطرف الإسرائيلي أن يحدد ما إذا كان الاستثمار فيه سيحقق فائدة حقيقية.

في ذلك الوقت، لم يكن العطفي قريبًا من الرئيس، ولم يكن يعمل داخل مؤسسة سيادية. كان مجرد رجل طموح يمتلك مهارة عملية وشبكة علاقات تتسع باستمرار، لكنه يحمل نقطة ضعف كبيرة تتعلق بمؤهله الأكاديمي.

وهنا بدأت مرحلة صناعة الغطاء.

الدكتوراه المزورة

إعادة تمثيل فنية لشهادة أكاديمية وملف مهني
إعادة تمثيل فنية لشهادة أكاديمية وملف مهني

من أكثر تفاصيل القضية ثباتًا أن شهادة الدكتوراه التي استخدمها علي العطفي كانت مزورة.

وتقول المصادر إن المخابرات الإسرائيلية ساعدته على الحصول عليها أو ترتيبها، بما يسمح له بتقديم نفسه بصورة أكثر قبولًا داخل الدوائر المهنية والأكاديمية.

لا تتوافر، وفق البحث المتاح، معلومات موثوقة تحدد اسم الجامعة التي نُسبت إليها الشهادة. لذلك فإن أي رواية تسمي جامعة بعينها تظل بحاجة إلى مستند أصلي يثبتها.

لكن المؤكد أن الشهادة المزورة لم تكن مجرد ورقة إضافية في ملفه.

كانت الأداة التي أكملت الشخصية.

فالعطفي لم يكن شخصًا يجهل المهنة تمامًا. كان يمتلك سنوات من الخبرة العملية، ويعرف مصطلحات المجال، ويستطيع التعامل مع المرضى والمتخصصين. جاءت الشهادة لتمنحه الجزء الذي كان ينقص صورته: الشرعية الأكاديمية.

وبذلك أصبح من الصعب اكتشاف الخدعة.

من يتعامل معه يرى خبرة حقيقية، وسمعة جيدة، وعلاقات واسعة، وسفرًا إلى أوروبا، ثم يجد أمامه شهادة تؤكد الصورة التي يراها بالفعل.

هل أسس معهد العلاج الطبيعي؟

تكرر في بعض الروايات أن علي العطفي أسس أول معهد للعلاج الطبيعي في مصر عام 1972، ثم أصبح أول عميد له.

لكن هذه المعلومة غير دقيقة.

فبحسب التاريخ الرسمي لجامعة القاهرة، صدر قرار إنشاء المعهد العالي للعلاج الطبيعي عام 1962، أي قبل وصول العطفي إلى العمادة بسنوات.

كما تشير الروايات إلى أن الدكتورة فوقية عزب سليم تولت عمادة المعهد حتى عام 1972 تقريبًا، ثم وصل العطفي بعد ذلك إلى موقع قيادي وتولى العمادة.

والقصة الحقيقية، في الواقع، لا تحتاج إلى المبالغة.

فالعطفي لم ينشئ المؤسسة، لكنه فعل شيئًا ربما كان أكثر إثارة: دخل مؤسسة أكاديمية قائمة، ثم وصل إلى قمتها رغم أن تعليمه الحقيقي توقف عند المرحلة الإعدادية، وأن أهم شهادة يحملها كانت مزورة.

الرجل الذي بدأ حياته عاملًا في بقالة وفرن وصيدلية، أصبح يجلس خلف مكتب العميد، ويتعامل معه الطلاب والمتخصصون باعتباره «الدكتور علي العطفي».

شبكة علاقات فتحت الأبواب

مع اتساع سمعته، أصبح العطفي قريبًا من شخصيات بارزة في الرياضة والأعمال والدولة.

تظهر في الروايات أسماء مثل عبده صالح الوحش، وعثمان أحمد عثمان، وسيد مرعي، وعبد المحسن مرتجى، وكمال حسن علي.

لكن من المهم التأكيد على أن ورود هذه الأسماء في شبكة علاقاته لا يعني أن أيًا منهم كان يعلم بحقيقته أو شارك في نشاطه.

كانوا يتعاملون مع الصورة التي قدمها لهم: خبير معروف في العلاج الطبيعي، وعميد مؤسسة أكاديمية، ورجل واسع العلاقات.

وهنا ظهرت قوة الخداع الاجتماعي.

كان الناس يثقون فيه لأن شخصيات مهمة تثق فيه، والشخصيات المهمة تطمئن إليه لأنها تجده محاطًا بشخصيات مهمة أخرى.

كل علاقة جديدة كانت تعمل بوصفها شهادة ثقة غير مكتوبة.

وفي النهاية، وصلت هذه الشبكة باسمه إلى رئاسة الجمهورية.

الوصول إلى أنور السادات

لا يوجد دليل حاسم يحدد الشخص الذي رشح علي العطفي للرئيس أنور السادات بالاسم.

لكن المصادر تتفق على أن شبكة علاقاته ومكانته المهنية أوصلتاه في النهاية إلى الدائرة الرئاسية، وأنه أصبح يعمل في العلاج الطبيعي والتدليك للرئيس، واقترب كذلك من بعض أفراد أسرته.

وتذكر الروايات أن علاقته بالسادات بدأت تقريبًا في أوائل السبعينيات.

كان قربه من الرئيس مختلفًا عن قرب الوزراء والضباط.

الوزير يدخل إلى اجتماع رسمي ثم يغادر، والضابط يقدم تقريرًا محددًا، أما طبيعة عمل العطفي فكانت تسمح له بالوجود في لحظات أكثر هدوءًا وخصوصية.

وبحسب ما نُقل عن اعترافاته، كانت علاقته بالسادات وثيقة، وكان مسموحًا له بالدخول إلى مساحات خاصة للغاية.

هنا تحولت قيمة العطفي بالنسبة إلى الإسرائيليين.

فالرجل الذي تطوع للعمل معهم عام 1969، ولم يكن وقتها يمتلك أسرار دولة، أصبح بعد سنوات قريبًا من رئيس الجمهورية المصرية.

ما نوع المعلومات التي كان يستطيع نقلها؟

لا توجد أدلة قوية تسمح بالقول إن العطفي كان يخرج من القصر بحقائب مليئة بالخطط العسكرية أو يصور وثائق شديدة السرية من مكاتب المسؤولين.

خطورة الاختراق كانت أكثر هدوءًا.

القرب من رئيس دولة قد يسمح بمعرفة مواعيد تحركاته، وأسماء بعض زواره، وطبيعة المقابلات التي يجريها، والأجواء داخل دائرته الخاصة، والموضوعات التي تشغله، وبعض الأحاديث التي تدور بعيدًا عن الاجتماعات الرسمية.

وتتحدث المصادر عن نقله معلومات مرتبطة بشؤون رئاسة الجمهورية، وتحركات السادات، ومقابلاته، وحوارات دارت داخل الدائرة المغلقة.

أما الروايات التي تزعم أنه كان يرسل أسماء أدوية الرئيس يوميًا أو تقارير صحية تفصيلية للغاية، فلم يظهر خلال البحث مصدر مستقل قوي يثبتها بهذه الصياغة الدقيقة.

القضية لا تحتاج إلى تلك الإضافات أصلًا.

وجود عميل موثوق داخل الدائرة الخاصة للرئيس يمثل في حد ذاته اختراقًا بالغ الخطورة.

أدوات التجسس الحقيقية

إعادة تمثيل فنية لاتصال هاتفي وملفات تحقيق
إعادة تمثيل فنية لاتصال هاتفي وملفات تحقيق

ضُبطت مع علي العطفي مجموعة من الأدوات التي تعكس طبيعة العمل التجسسي في ذلك الزمن.

جهاز اللاسلكي

بحسب الروايات، بدأ استخدامه بصورة محدودة في الاستقبال، ثم سُمح له لاحقًا باستخدامه في الإرسال، قرابة عام 1971.

كان الجهاز وسيلة لتلقي التعليمات أو إرسال الرسائل المشفرة بعيدًا عن وسائل الاتصال العادية.

كتاب الشفرة

كان يستخدم كتابًا متفقًا عليه لتحويل الكلمات والجمل إلى مجموعات من الأرقام، تشير إلى صفحات وأسطر وكلمات محددة.

من دون امتلاك النسخة الصحيحة من الكتاب، تصبح الأرقام بلا معنى.

ورق الكتابة السري

ظهر ضمن الأحراز نوع خاص من ورق الكربون المستخدم في الكتابة السرية.

ومن أغرب التفاصيل المتداولة أنه كان يميز إحدى هذه الأوراق بعبارة «بسم الله الرحمن الرحيم»، لتبدو الورقة بريئة ومألوفة لمن يراها.

الميكروفيلم

ضُبط كذلك جهاز صغير لعرض شرائح الميكروفيلم، وبطاقة بريدية مصممة بجيب سري يسمح بإخفاء الشرائح الدقيقة داخلها.

كانت البطاقة تبدو كأي بطاقة سياحية عادية يمكن أن تمر عبر البريد من دون إثارة الانتباه.

صناديق البريد

تذكر الروايات أن العطفي كان يغير صناديق البريد التي يستخدمها، ويتحرك إلى أماكن مختلفة حتى لا يصنع نمطًا ثابتًا يمكن مراقبته.

لكن سنوات النجاح الطويلة جعلته، على ما يبدو، أقل حذرًا.

ثمن الخيانة

بحسب ما نقله الصحفي عادل حمودة، كان العطفي يحصل على نحو 200 دولار شهريًا، إضافة إلى تذاكر السفر، وبدل يومي خلال الرحلات الخارجية، ومكافآت إضافية من وقت إلى آخر.

قد يبدو الرقم محدودًا عند مقارنته بخطورة ما كان يفعله، لكن المال لم يكن المقابل الوحيد.

العطفي حصل على لقب، ومكانة، وسفر، وغطاء مهني واجتماعي ساعده على الوصول إلى عالم لم يكن مؤهله الحقيقي يسمح له بدخوله بسهولة.

كانت المخابرات الإسرائيلية لا تدفع له أموالًا فقط، بل ساهمت في تثبيت الشخصية التي أراد أن يصبحها.

وفي الوقت نفسه، تحولت الشهادة المزورة إلى أداة للسيطرة عليه. فكلما ارتفعت مكانته، أصبح كشف حقيقة مؤهله تهديدًا أكبر لحياته ومكانته ومستقبله.

الصورة التي بدأت النهاية

بعد سنوات من العمل، تردد العطفي على المكان المرتبط باتصالاته بالإسرائيليين في هولندا.

وتقول الروايات الصحفية إنه جرى تصويره أمام السفارة الإسرائيلية في أمستردام، وإن هذه الصور استُخدمت لاحقًا في مواجهته.

الصورة وحدها لم تكن دليلًا كافيًا لإدانة شخص بالتجسس، لكنها ربطت وجهًا معروفًا بملف أمني كان يتحدث عن وجود شخص قريب للغاية من دائرة الرئيس ينقل معلومات إلى إسرائيل.

بدأت الأجهزة المصرية في جمع الخيوط ومتابعة تحركاته واتصالاته، وارتبط اسم العميد محمد نسيم بمتابعة القضية وقيادة عملية القبض.

صحفي من «آخر ساعة»

تختلف المصادر في التاريخ الدقيق للقبض على علي العطفي؛ فبعضها يذكر 18 مارس 1979، بينما تقدم رواية صحفية تفصيلية تاريخ 23 مارس.

وبحسب الرواية الأخيرة، كانت الأجهزة المصرية تتوقع عودته من أمستردام على رحلة تصل في 22 مارس، لكنها اكتشفت أنه عاد إلى مصر قبل ذلك بنحو يومين.

عندها تغيرت الخطة.

بدل القبض عليه في المطار، جرى الاتصال به داخل شقته في شارع بهجت علي بالزمالك. قدم المتصل نفسه باعتباره صحفيًا من مجلة «آخر ساعة»، يرغب في إجراء مقابلة عن مسيرته والعلاج الطبيعي.

وقبل الموعد، طلب الصحفي من العطفي أن يحبس كلبه الوولف داخل غرفة أخرى، مدعيًا أنه يخاف من الكلاب.

وافق العطفي.

وفي المساء، دخل رجال بملابس مدنية إلى الشقة باعتبارهم فريق المقابلة الصحفية.

لكن لم تكن هناك مقابلة.

كان محمد نسيم ورجاله قد وصلوا لإنهاء واحدة من أخطر عمليات الاختراق داخل الدائرة الرئاسية.

المواجهة داخل شقة الزمالك

تقول الرواية الصحفية إن العطفي حاول في البداية استخدام نفوذه، واتجه نحو الهاتف للاتصال بشخصيات داخل دائرة الرئيس.

كما ظهر ابنه شريف، واقترح بالألمانية الاتصال بجمال السادات، ظنًا أن رجال القوة لن يفهموا الحديث، لكن أحد الضباط كان يتقن الألمانية.

أُبلغ العطفي أن الرئيس نفسه على علم بالعملية.

ثم وُضعت أمامه الصور التي التُقطت له في هولندا.

في هذه اللحظة، أدرك أن حياته السرية لم تعد سرية، وأن القوة لم تدخل منزله بناءً على شك عابر.

بدأ التفتيش داخل شقته، ثم امتد إلى مكتبه في المعهد، حيث ظهرت أدوات الاتصال والشفرة والكتابة السرية والميكروفيلم.

عشرون يومًا من التحقيقات

استمرت التحقيقات مع علي العطفي نحو عشرين يومًا، وتقول إحدى الروايات إن اعترافاته سُجلت في أكثر من ألف ورقة من الحجم المعروف باسم «الفلوسكاب».

خلال التحقيق، حاول تقديم نفسه باعتباره فرصة يمكن لمصر استخدامها، واقترح تحويله إلى عميل مزدوج يعمل ضد الإسرائيليين.

لكن العرض لم يُقبل.

بعد سنوات طويلة من العمل لصالح الطرف الآخر، لم يعد من السهل الوثوق في رجل بنى حياته كلها على الخداع.

الحكم الذي اختلفت عليه الروايات

إعادة تمثيل فنية لملف القضية في قاعة المحكمة
إعادة تمثيل فنية لملف القضية في قاعة المحكمة

أُحيل علي خليل العطفي إلى المحاكمة في القضية رقم 4 لسنة 1979.

لكن المصادر الصحفية تختلف في الحكم الأول الصادر ضده.

تقول رواية إنه حُكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة، بينما تقول رواية أخرى إن الحكم كان الإعدام شنقًا.

لا يتوافر أمامنا نص الحكم الأصلي لحسم هذا التناقض.

لكن الروايتين تتفقان على أن العقوبة النهائية أصبحت:

15 سنة أشغال شاقة.

وفي عام 1981، صدر حكم بمصادرة أمواله وممتلكاته، التي قدرت المصادر قيمتها بنحو 2.2 مليون جنيه مصري في ذلك الوقت.

ولا يمكن الجزم بأن هذه الثروة كلها جاءت من أموال التجسس، فقد كان للعطفي نشاط مهني وعقارات ومصادر دخل أخرى.

الأسرة تدفع الثمن

تشير الروايات إلى أن زوجته الهولندية لم تكن تعلم بحقيقة نشاطه، وأن القبض عليه كان صدمة كبيرة لها.

كما نشر ابنه الأكبر إعلانًا مدفوعًا في الصحف أعلن فيه تبرؤه من والده واستنكاره لخيانته لمصر.

انهارت في لحظة واحدة الصورة التي بناها العطفي أمام أسرته والمجتمع.

الرجل الذي عرفوه بصفته الدكتور والعميد والخبير المقرب من الرئيس، أصبح متهمًا ومدانًا بالتخابر لصالح إسرائيل.

هل قتل علي العطفي جمال عبد الناصر؟

بعد انتشار قصة العطفي، ظهرت شائعة تزعم أنه كان مدلك الرئيس جمال عبد الناصر، وأنه ساهم في قتله باستخدام مادة سامة.

لكن الأدلة المتاحة لا تدعم هذه الرواية.

فملف القضية كما نُقل صحفيًا لا يتضمن اعترافًا من العطفي بالمشاركة في قتل عبد الناصر، كما نفى مقربون من الرئيس الراحل أن يكون العطفي مدلكه الخاص.

كذلك فإن الجدول الزمني للتجنيد والاختبار لا يقدم دعمًا قويًا للقصة.

لذلك يجب التعامل مع رواية قتل عبد الناصر باعتبارها شائعة ظهرت بعد القضية، وليست حقيقة تاريخية مثبتة.

العمى والموت في السجن

إعادة تمثيل فنية للحبس والنهاية المعقدة للقصة
إعادة تمثيل فنية للحبس والنهاية المعقدة للقصة

خلال سنوات السجن، تدهورت صحة علي العطفي، وأصيب بضعف شديد في البصر قبل أن يفقد قدرته على الإبصار.

وتحدد إحدى الروايات الصحفية تاريخ وفاته في الأول من أبريل عام 1990، داخل مستشفى السجن.

وتضيف الرواية أن أسرته رفضت استلام جثمانه، فدُفن في مقابر الصدقة. ويظل هذا التفصيل الأخير منقولًا من مصدر صحفي، لا من وثيقة رسمية متاحة.

انتهت حياة الرجل الذي دخل القصر بصفته خبيرًا موثوقًا داخل السجن، بعيدًا عن المناصب والعلاقات واللقب الذي قضى عمره في بنائه.

الموساد لم يقتحم القصر

أخطر ما في قضية علي خليل العطفي ليس جهاز اللاسلكي أو الميكروفيلم أو كتاب الشفرة.

الأخطر هو أن الاختراق لم يحتج إلى اقتحام قصر، أو كسر خزنة، أو زرع عميل داخل مؤسسة عسكرية.

كل ما احتاج إليه كان رجلًا شديد الطموح، يشعر أن مؤهلاته الحقيقية تقف بينه وبين المكانة التي يريدها.

ساعده الإسرائيليون في استكمال الصورة، ثم تركوا المجتمع نفسه يمنحه الثقة.

دخل العطفي إلى الدائرة الخاصة للرئيس لأن الناس رأوا أمامهم دكتورًا وعميدًا وخبيرًا يعرفه كبار المسؤولين.

ومع مرور الوقت، ربما لم يعد المجتمع وحده هو الذي صدق الشخصية المصنوعة.

يبدو أن علي العطفي نفسه صدقها أيضًا.

ولهذا لم يسقط بسبب تقنية استخباراتية خارقة، بل بسبب خطأ إنساني قديم:

الثقة الزائدة التي جعلته يظن أن الغطاء أصبح حقيقة، وأن أحدًا لن يستطيع رؤية ما وراءه.

شاهد القصة الكاملة

شاهد الحلقة الوثائقية الكاملة عن قضية علي خليل العطفي على قناة «صندوق الجرائم»، وتعرف إلى تفاصيل تجنيده، وصناعة شهادة الدكتوراه المزورة، وطريقه إلى قصر الرئيس، وعملية القبض عليه داخل شقته في الزمالك.

في «صندوق الجرائم» نفتح ملفات الجرائم وقضايا التجسس الغامضة، ونفصل بين الحقيقة والرواية المثيرة، لأن كل صندوق نفتحُه… وراءه حكاية حاول أصحابها دفنها.

تنبيه تحريري: الصور داخل هذا المقال إعادة تمثيل فنية مولدة بالذكاء الاصطناعي لتوضيح السياق، وليست صورًا تاريخية أو أدلة أصلية.