قبل سنوات قليلة من حرب أكتوبر 1973، كانت مصر تخوض حرباً صامتة وشديدة الضراوة عُرفت بحرب الاستنزاف. في تلك الفترة، كانت مجموعات الاستطلاع المصرية تعبر قناة السويس ليلًا خلف خطوط العدو لتنفيذ مهام سرية للغاية. لم يكن أحد يعلم بمواعيد هذه العمليات أو مساراتها سوى دائرة ضيقة جدًا من القادة والضباط. ومع ذلك، بدأت تحدث مفاجآت مرعبة؛ ففي أكثر من مناسبة، كانت القوات الإسرائيلية تنتظر هذه المجموعات في نقاط وصولها بدقة متناهية، وكأنها تملك جدولاً زمنياً لتحركاتهم.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد ليشمل مواقع وتجهيزات الدفاع الجوي التي كانت مصر تحاول جاهدة تشييدها وبناءها على الجبهة لتحجيم الطيران الإسرائيلي. كلما شيدت القوات موقعاً جديداً، كانت المقاتلات الإسرائيلية تغير عليه بدقة تدميرية قبل أن يكتمل بناؤه. هذه الأحداث المتكررة جعلت فرضية وجود «تكنولوجيا إنذار جديدة لدى العدو» تتراجع، لتفسح المجال أمام احتمال واحد مرعب ومؤكد: هناك خائن يسرب أدق الأسرار العسكرية من داخل أروقة قيادة الجيش المصري.

تتبع الأثر: كيف قاد «جواب حب» إلى المتهم الأول؟

تحركت أجهزة مكافحة التجسس في المخابرات العامة المصرية لتعقب مصدر التسريب بالتنسيق مع المخابرات العسكرية. ومن خلال تتبع بعض المراسلات المكتوبة بالحبر السري الموجهة إلى عنوان مرتبط بمحل أنتيكات في العاصمة الفرنسية باريس، تم حصر المعلومات المسربة التي كانت تصنف بأنها «سرية للغاية». وبما أن تداول مثل هذه المستندات يخضع لدورة صارمة، ضاقت دائرة الشبهات تدريجياً لترتكز على سبعة ضباط فقط ممن يملكون الصلاحية القانونية للاطلاع عليها.

بدأت المراقبة اللصيقة للضباط السبعة، وفحص تحركاتهم وعلاقاتهم ومراسلاتهم. وبتساقط الأسماء واحداً تلو الآخر بعد ثبوت براءتهم، استقرت الشكوك حول اسم لم يكن أحد داخل المؤسسة العسكرية يرغب في تصديق تورطه: المقدم مهندس فاروق الفقي، رئيس الفرع الهندسي بقوات الصاعقة. كان الفقي ضابطاً نموذجياً، يحظى بثقة زملائه وقادته، ويملك بحكم منصبه وصولاً طبيعياً ومباشراً لخرائط التحركات الهندسية وإحداثيات منصات الصواريخ.

وعلى الرغم من كفاءته العسكرية، سقط الفقي في خطأ صغير لم يحسب له حساباً. لقد أرسل خطاباً شخصياً عادياً، خالياً من الحبر السري والأسرار، إلى نفس العنوان الباريسي المريب، يبث فيه مشاعره لامرأة ويخبرها برغبته في أن تكون معه خلال زيارته لمدينة الإسكندرية. من خلال هذا الخطاب الشخصي، تكشفت الهوية الحقيقية للجاسوس المجهول، وظهر على الطرف الآخر من الرسالة اسم فتاة مصرية تدعى «هبة سليم».

هبة سليم: من طموح باريس إلى دهاليز الموساد

تنتمي هبة عبد الرحمن سليم إلى عائلة مصرية ميسورة الحال، وقد درست الأدب الفرنسي في كلية الألسن بجامعة عين شمس. كانت فتاة ذكية، اجتماعية، وتمتلك حضوراً لافتاً. وتشير السجلات والشهادات التاريخية إلى أن بداية تحولها بدأت من الجامعة، حيث ساعدها رئيس قسم اللغة الفرنسية آنذاك، وهو أستاذ فرنسي مرتبط بجامعة السوربون، في الحصول على منحة دراسية للسفر إلى فرنسا رغم عدم تصدرها لترتيب دفعتها.

في باريس، انخرطت هبة في مجتمع طلابي مفتوح ومتعدد الجنسيات، وتعرفت على فتاة يهودية من أصول بولندية قادتها إلى دوائر شبابية يهودية. هناك، بدأت هبة تتبنى وجهة نظر مغايرة للصراع العربي الإسرائيلي، حيث رأت في إسرائيل دولة صغيرة تسعى للعيش بسلام وسط محيط معادٍ. وطبقاً للتحقيقات، فإن تجنيد هبة لصالح الاستخبارات الإسرائيلية (الموساد) قد تم تسهيله وتوجيهه حتى قبل سفرها، لتصبح لاحقاً عميلة رسمية.

حاول الموساد الاستفادة من هبة عبر توظيفها في المكتب الفني بالسفارة المصرية في باريس مستغلين علاقات والدتها، إلا أن طبيعة عملها هناك لم تكن تتيح لها الوصول إلى معلومات عسكرية ذات قيمة. وهنا غير الموساد استراتيجيته؛ فلم يعد السؤال «ماذا تعرفين؟» بل «من تعرفين في مصر؟». قامت هبة بتقديم قائمة بمعارفها وأصدقائها القدامى، وكان من بين تلك الأسماء الضابط فاروق الفقي، الذي كان يحمل لها مشاعر عاطفية قوية في الماضي وحاول الارتباط بها رسمياً لكنها رفضته حينها. أدرك الموساد فوراً قيمة هذا الصيد الثمين، وتقرر إرسال هبة إلى مصر لإعادة إحياء علاقتها بالفقي وجره إلى مستنقع الخيانة.

التجنيد الواعي وسقوط هبة وفاروق

عادت هبة إلى القاهرة وتواصلت مع فاروق الفقي، مستغلة مشاعره القديمة وتطلعه لحياة جديدة معها في أوروبا. وبتوجيه من الموساد، بدأت تطلب منه معلومات عسكرية تحت غطاء الفضول والاهتمام بمستقبلهما معاً. لم تقتصر المعلومات التي قدمها الفقي على ملف واحد، بل امتدت لتشمل أدق تفاصيل بناء دشم الصواريخ وتحركات القوات وعمليات الكوماندوز.

وطبقاً للروايات الأمنية، فإن فاروق الفقي علم في مرحلة لاحقة أن هبة مرتبطة بالمخابرات الإسرائيلية، إلا أنه اختار الاستمرار في تسريب المعلومات للحفاظ على حلمه بالزواج منها والسفر لباريس، وتحول الأمر من مجرد خداع عاطفي إلى خيانة واعية ومقصودة. وقد دفعت القوات المصرية ثمناً فادحاً جراء هذه الخيانة؛ حيث استُهدفت دشم حائط الصواريخ بشكل متكرر، وتعرضت عملية لرجال الصاعقة في لسان التمساح في يوليو 1969 لكمين إسرائيلي مسبق أدى إلى استشهاد تسعة مقاتلين مصريين.

ومع اكتمال خيوط القضية لدى المخابرات المصرية، تقرر إلقاء القبض على فاروق الفقي بهدوء تام دون إثارة أي شكوك قد تدفع هبة للاختفاء في باريس. استدرج قائد قوات الصاعقة، اللواء نبيل شكري، الفقي إلى القيادة العامة بحجة مناقشة بعض الاحتياجات الهندسية، وهناك تم القبض عليه. وفي التحقيقات الأولى، كانت أولى كلمات الفقي التلقائية هي محاولة تبرئة هبة، مما أكد ارتباطها الوثيق بالشبكة.

تمثلت المعضلة التالية في كيفية جلب هبة سليم من فرنسا. وضعت المخابرات المصرية خطة محكمة اعتمدت على إقناع والدها المقيم في ليبيا بالتعاون -دون اطلاعه على التفاصيل الكاملة في البداية- حيث تم إدخاله المستشفى بذريعة إصابته بمرض خطير يتطلب حضور ابنته فوراً. ورغم شكوك الموساد وإرساله طبيباً معتمداً لفحص الأب وتأكيد حالته الصحية، سُمح لهبة بالسفر إلى طرابلس. وبمجرد هبوط طائرتها في الأراضي الليبية، وجدت رجال الأمن بانتظارها، ونُقلت مباشرة إلى طائرة مصرية أقلعتها إلى القاهرة.

الحساب الأخير والدروس المستفادة

خضعت هبة سليم لتحقيقات مكثفة استمرت نحو سبعين يوماً بإشراف ضباط المخابرات المصرية لمعرفة حدود ما اطلعت عليه داخل إسرائيل، حيث كانت قد زارتها عدة مرات وتجولت في بعض قواعدها الجوية. وطبقاً للمصادر الرسمية، لم تبدِ هبة ندمها أثناء التحقيقات، بل كانت مقتنعة بأن الحرب ضد إسرائيل خاسرة وأن عبور القناة مستحيل، وهو الوهم الذي بدده الجيش المصري عملياً في السادس من أكتوبر عام 1973.

أصدرت المحكمة العسكرية حكمها بالإعدام رمياً بالرصاص على المقدم فاروق الفقي، ونفذ الحكم بحضور قائده اللواء نبيل شكري. كما قضت المحكمة بإعدام هبة سليم شنقاً. ورغم المحاولات الدبلوماسية الإسرائيلية اللاحقة للضغط عبر أطراف دولية لتخفيف الحكم عنها، رفض الرئيس أنور السادات كافة التدخلات، ونُفذ حكم الإعدام بحقها لتطوى بذلك صفحة واحدة من أعقد قضايا التجسس في التاريخ العربي الحديث.