في أعقاب نكسة يونيو 1967، لم تكن الخسارة المصرية مقتصرة على الأرض والسيادة فحسب، بل امتدت لتشمل شريان الحياة الاقتصادي؛ حقول البترول في شبه جزيرة سيناء. فمع بسط سيطرتها على الأرض، سارعت إسرائيل إلى وضع يدها على حقول «أبو رديس» الواقعة على خليج السويس، وبدأت بالفعل في إعادة تشغيلها واستخراج النفط المصري لصالحها.

بحلول عام 1970، أشارت التقديرات الإسرائيلية إلى أن إنتاج تلك الحقول وصل إلى قرابة 100 ألف برميل يوميًا، وهو ما كان يغطي نحو نصف الاستهلاك الإسرائيلي من النفط في ذلك الوقت. لم يكن هذا مجرد نهب للثروات، بل كان محاولة لترسيخ واقع الاحتلال وجعله أمرًا دائمًا ومستقرًا على مرأى ومسمع من العالم.

حقول النفط والمنشآت البترولية في شبه جزيرة سيناء تحت السيطرة الإسرائيلية عقب حرب 1967
حقول النفط والمنشآت البترولية في شبه جزيرة سيناء تحت السيطرة الإسرائيلية عقب حرب 1967

النبأ الصادم وقرار عبد الناصر

بينما كانت مصر تخوض حرب استنزاف شرسة لإعادة بناء قواتها المسلحة وتحت وطأة غارات جوية إسرائيلية وصلت إلى عمق البلاد، وصلت إلى القاهرة معلومة استخباراتية بالغة الخطورة: إسرائيل لا تنوي الاكتفاء بالآبار القائمة، بل تعاقدت على مشروع تنقيب بحري جديد في خليج السويس، وهناك حفار ضخم في طريقه إلى المنطقة لبدء العمل.

عندما عُرض الملف على الرئيس جمال عبد الناصر، لم يكن القرار يحتمل التردد أو الانتظار؛ صدر توجيه حاسم ومباشر: «هذا الحفار يجب ألا يصل إلى البحر الأحمر مهما كان الثمن». من تلك اللحظة، تحولت المسألة من مجرد نزاع نفطي إلى مهمة أمن قومي عاجلة تشارك فيها أجهزة الدولة كافة.

لكن الأزمة الحقيقية بدأت مع غياب المعلومات الأساسية؛ فمصر لم تكن تملك في البداية اسم الحفار، ولا موقعه الحالي، ولا خط سيره، ولا موعد تحركه. وكان التحدي الأكبر يكمن في كيفية تدميره خارج الحدود دون إثارة أزمة دبلوماسية دولية أو ترك أدلة تشير إلى الفاعل.

صورة أرشيفية للمتحدث الرسمي المصري عصمت عبد المجيد يحذر من استغلال إسرائيل لبترول سيناء
صورة أرشيفية للمتحدث الرسمي المصري عصمت عبد المجيد يحذر من استغلال إسرائيل لبترول سيناء

رحلة البحث عن «كينتنج رقم واحد»

بدأت المخابرات الحربية والمخابرات العامة المصرية رحلة البحث عن "الإبرة في كومة قش". وعبر تقصي الأخبار الصحفية المتفرقة وإعلانات الشركات النفطية، تجمعت الخيوط لتكشف أن الحفار المستهدف يحمل اسم «كينتنج رقم واحد» (Kenting No. 1)، وهو حفار كندي الصنع تم بناؤه عام 1969.

كان الحفار قد صُمم في الأصل للعمل ببحيرة "إيري" بين كندا والولايات المتحدة، لكن طبيعة قاع البحيرة الرخوة حالت دون استقراره، لتنتهز شركة أمريكية تدعى "King Resources" الفرصة، وتتعاقد من خلال واجهة تجارية ممثلة في شركة "Midbar" المسجلة في بريطانيا على تشغيل الحفار لصالح المشروع الإسرائيلي في سيناء.

هذا التشابك الدولي جعل مهمة ضرب الحفار بالغة التعقيد؛ فالهدف كندي، وتديره شركة بريطانية بواجهة أمريكية، والعملية برمتها يجب أن تتم في مياه موانئ دول صديقة أو محايدة لا ناقة لها ولا جمل في الصراع العربي الإسرائيلي.

رسم تخطيطي وتفصيلي يوضح أجزاء الحفار الكندي كينتنج 1 وأرجله الضخمة
رسم تخطيطي وتفصيلي يوضح أجزاء الحفار الكندي كينتنج 1 وأرجله الضخمة

دكار: الفرصة الضائعة

تولى الرائد أنور عطية، ضابط المخابرات الحربية، مهمة التتبع اللوجستي الدقيق لحركة الحفار الذي كان يُجر ببطء عبر المحيط الأطلسي متوجهاً للالتفاف حول القارة الأفريقية. وبعد رصد دقيق، تم تحديد المحطة الأولى للتنفيذ: ميناء دكار في السنغال.

تحركت مجموعات التنفيذ التابعة للقوات البحرية (الضفادع البشرية)، وكان من بين عناصرها الملازم أول محمود سعد وقائدهم خليفة جودت. سافر الرجال بأسماء مستعارة وجوازات سفر مختلفة عبر دفعات مموهة. ومع وصولهم، واجهوا تحفظات دبلوماسية شديدة من السفارة المصرية خشية تفجر أزمة مع السنغال في حال انكشاف العملية.

بينما كان الفريق يدرس الميناء ويتحين فرصة الظلام للتسلل، جاءت المفاجأة غير السارة؛ ففي حوالي الساعة الخامسة مساءً، وقبل حلول الليل، بدأت القاطرة بسحب الحفار خارج الميناء فجأة. تبخرت فرصة دكار، لكن المطاردة لم تنتهِ.

ساحل العاج والسيناريو السينمائي

لم يستسلم فريق التتبع؛ وبإعادة حساب سرعة القاطرة والمسارات المتاحة، تم التنبؤ بالمحطة التالية: ميناء أبيدجان في ساحل العاج. وبالفعل، وفي الثالث من مارس 1970، رسى الحفار في الميناء.

على الفور، صدرت الأوامر بالتحرك السريع. طار عناصر الضفادع البشرية (محمود سعد، أحمد المصري، حسن الشراكي) بقيادة خليفة جودت إلى باريس ومنها إلى أبيدجان، ليجدوا ضابط المخابرات الشهير محمد نسيم (المعروف بقلب الأسد) بانتظارهم هناك لترتيب الدعم اللوجستي.

على العكس مما حدث في السنغال، حظي الفريق بدعم مطلق من السفير المصري في ساحل العاج، إحسان طلعت، الذي كان ضابطاً بحرياً سابقاً. وفي ليلة التنفيذ، بادر السفير بصرف جميع العاملين في منزله لتهيئة المكان لإعداد العبوات المتفجرة، وقام بنفسه بقيادة السيارة التي نقلت الضفادع البشرية ومعداتهم إلى نقطة الإنزال قرب الميناء.

صورة تعبيرية لرجال الضفادع البشرية يستعدون لتجهيز معدات الغطس والعبوات المتفجرة
صورة تعبيرية لرجال الضفادع البشرية يستعدون لتجهيز معدات الغطس والعبوات المتفجرة

800 متر وسط التماسيح والظلام

في عتمة الليل، نزل السباحون الثلاثة إلى المياه مستهدفين الوصول إلى الحفار الذي كان يبعد حوالي 800 متر. وقبل النزول، لاحظ محمود سعد وجود كتل سوداء طافية، اعتقد في البداية أنها جذوع أشجار، ليكتشف لاحقاً من قائده أنها كانت تماسيح تملأ مياه تلك المنطقة.

قطع السباحون المسافة سباحةً على الصدر، وعند اقترابهم من الحفار المضاء بكشافات باهرة، غاصوا تحت الماء لتجنب كشفهم. استطاع الفريق تثبيت العبوات المتفجرة الموقوتة على الأجزاء الحيوية من جسم الحفار بدقة متناهية، ثم قفلوا راجعين إلى نقطة الالتقاء.

بمجرد خروجهم من الماء، تخلص الفريق من المعدات وتوجهوا مباشرة إلى المطار لضمان مغادرة البلاد قبل وقوع الانفجارات. وفي الطريق إلى الطائرة، دوت الانفجارات في أرجاء ميناء أبيدجان، ليعلن نجاح العملية ومغادرة الأبطال بأمان.

حقيقة النتائج والتقارير السرية

عقب العملية، ثار لغط وتضخيم لسنوات حول مصير الحفار وما إذا كان قد غرق بالكامل. غير أن الوثائق الرسمية والتقارير الاستخباراتية أظهرت الحقيقة بدقة؛ فوفقاً لتقرير سري رفعه جهاز المخابرات المركزية الأمريكية للرئيس ريتشارد نيكسون في 10 مارس 1970، فإن التفجيرات أحدثت أضراراً بالغة الجسامة بجسم الحفار تحت خط الماء.

وعلى الرغم من أن الحفار لم يغرق في قاع الميناء كلياً، وظل مسجلاً في التقارير الكندية اللاحقة لعام 1971 كحفار متاح للعمل في غانا، إلا أن الهدف الاستراتيجي المصري من العملية قد تحقق بنسبة 100%. فقد تعطلت الرحلة تماماً، وانسحبت الشركات الأجنبية من المشروع الإسرائيلي خشية التعرض لهجمات أخرى، ولم يطأ الحفار مياه خليج السويس.

جسدت عملية الحفار قدرة العقل الاستخباراتي المصري على العمل بكفاءة عالية في ظروف بالغة الصعوبة، وأثبتت لإسرائيل أن العمق الاستراتيجي لم يعد آمناً، وأن حرب الاستنزاف يمكن خوضها وتوجيه ضرباتها الموجعة في أي بقعة من بقاع العالم.