شهدت مدينة الإسكندرية في ليلة الثالث والعشرين من يوليو عام 1954 احتفالات صاخبة بمناسبة الذكرى الثانية لثورة يوليو. وسط هذه الحشود المتحمسة أمام سينما «ريو» الشهيرة، كان هناك شاب يبلغ من العمر 21 عامًا يتحرك بشكل طبيعي وهادئ وسط الزحام، لكن هدوءه لم يدم طويلًا؛ إذ اشتعلت النيران فجأة في جيبه بشكل مرعب ومفاجئ، مما أثار ذعر المارة ودفع رجال الشرطة المتواجدين في المحيط للتدخل الفوري.

عندما أسرعت الشرطة لإطفاء الحريق والقبض على الشاب، تبين سريعًا أن الأمر لا يتعلق بحادث عارض أو اشتعال عشوائي. فحص المواد المتبقية كشف عن وجود عبوة حارقة مصممة كيميائيًا لتشتعل ذاتيًا بعد فترة زمنية محددة، تتيح لحاملها وضعها في مكان مستهدف ومغادرة الموقع قبل الانفجار. إلا أن خللًا في التركيبة الكيميائية عجل بالاشتعال بينما كانت العبوة لا تزال في جيب منفذها، ليكتشف المحققون أن دار العرض السينمائي لم تكن سوى واجهة لمخطط أوسع بكثير.
التوقيت الحرج: معركة الجلاء وصناعة الفوضى

لم يكن توقيت هذه المحاولة التخريبية عشوائيًا؛ ففي صيف عام 1954، كانت الحكومة المصرية الجديدة تخوض مفاوضات دبلوماسية مكثفة وشاقة مع بريطانيا لإنهاء عقود من الاحتلال العسكري وإجلاء القوات البريطانية بالكامل عن منطقة قناة السويس. كانت الإدارة المصرية الشابة تسعى لإثبات قدرتها على فرض الاستقرار وحماية المصالح الأجنبية داخل البلاد.
في المقابل، بدأت حرائق غامضة تستهدف منشآت ومصالح أمريكية وبريطانية وغربية في القاهرة والإسكندرية. الهدف من وراء هذه العمليات لم يكن تدمير المنشآت بذاتها، بل إرسال رسالة سياسية إلى لندن وواشنطن مفادها أن النظام الجمهوري الجديد في مصر غير مستقر وعاجز عن تأمين الرعايا الأجانب ومصالحهم، مما قد يدفع بريطانيا للتراجع عن قرار الجلاء والاستمرار في احتلال القناة بحجة حفظ الأمن.
جذور المؤامرة: البحث عن بوصلة الدولة الجديدة

لم تكن الساحة السياسية المصرية في صيف 1954 مستقرة بالكامل؛ إذ جاءت هذه التطورات بعد عامين فقط من إلغاء الملكية وإعلان الجمهورية في يونيو 1953 برئاسة محمد نجيب. كانت السلطة الجديدة تعيش مرحلة انتقالية حساسة حول هوية الحكم وصياغة المستقبل، وصراع الصلاحيات بين مجلس قيادة الثورة وبقية القوى السياسية.
كان الشارع المصري يترقب الوعود الكبرى للثورة، وعلى رأسها التخلص من الوجود العسكري البريطاني الجاثم في القواعد الضخمة بمنطقة القناة. ومع اقتراب المفاوضات من لحظة الحسم في يوليو 1954، ونقل السفير الأمريكي لتفاؤل القاهرة بإمكانية توقيع الاتفاق، تضاعفت حساسية الموقف؛ فأي مظهر من مظاهر الاضطراب الداخلي كان كفيلًا بإفساد هذا الإنجاز التاريخي وتثبيت أقدام الاحتلال.
خيوط في الظلام: الوحدة 131
كشفت التحقيقات مع الشاب المقبض عليه في الإسكندرية عن وجود شبكة تجسس سرية تم زرعها داخل مصر قبل الثورة بسنوات. وتحديدًا بعد حرب عام 1948، تبنت الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية عقيدة تقضي بإنشاء خلايا نائمة من مواطنين محليين يعيشون حياة طبيعية داخل الدول العربية، ليكونوا جاهزين للعمل خلف الخطوط وتخريب المنشآت عند الحاجة.

تولت هذه المهمة إدارة سرية تابعة للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان) عُرفت باسم «الوحدة 131». وفي عام 1951، تسلل ضابط استخبارات إسرائيلي يدعى «أفراهام دار» إلى مصر تحت هوية مستعارة باسم «جون دارلينج»، وبدأ بهدوء في تجنيد عناصر من الشباب اليهود المصريين لإنشاء خليتين سريتين؛ الأولى في القاهرة بقيادة الدكتور موشيه مرزوق، والثانية في الإسكندرية بقيادة شموئيل عازار.
عاش هؤلاء الشباب كأطباء ومهندسين وموظفين عاديين دون إثارة أي شكوك، حتى صدرت الأوامر بتفعيل الشبكة وتنفيذ الهجمات الحارقة بهدف إشعال الفوضى السياسية. لكن الحظ لم يحالفهم، فاحترقت العبوة الأولى في جيب منفذها لتكشف القضية برمتها أمام الأمن المصري، وتتحول النيران التي أُريد بها إحراق استقلال مصر إلى لهيب ارتد على صانعيه، مسجلاً واحدة من أشهر سقطات الاستخبارات الإسرائيلية في التاريخ الحديث.




