في السابع والعشرين من يونيو عام 2007، شهد حي «كارلتون هاوس تيراس» الراقي والواقع في وسط منطقة سانت جيمس بالعاصمة البريطانية لندن حادثة هزت الأوساط السياسية والاستخباراتية عالميًا. في ذلك اليوم الهادئ، قطع صمت الشارع الفخم صوت سقوط رجل من شرفة إحدى البنايات التاريخية ليستقر في الحديقة التي تقبع أسفلها.

هرعت سيارات الإسعاف والشرطة البريطانية إلى موقع الحادث خلال دقائق معدودة، لكن المحاولات الطبية لم تفلح في إنقاذ الرجل الذي لفظ أنفاسه الأخيرة في مكان سقوطه. ومع بدء التحقيقات الأولية والتعرف على هوية المتوفى، اتخذت القضية مسارًا دراماتيكيًا غير متوقع؛ فالراحل لم يكن سوى الملياردير ورجل الأعمال المصري الدكتور أشرف مروان.

من قلب السلطة في القاهرة
لم يكن أشرف مروان رجلًا عاديًا، بل كان في قلب دائرة صنع القرار بمصر لعقود. بدأت رحلته مع السلطة بزواجه من منى، ابنة الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر، الأمر الذي أتاح له دخول بيت الرئاسة والاطلاع على كواليس السياسة المصرية في مرحلة دقيقة من تاريخ البلاد.

وعقب وفاة عبد الناصر وتولي الرئيس أنور السادات مقاليد الحكم، لم يبتعد مروان عن المشهد بل توطدت علاقاته بالرئاسة بشكل أكبر. أصبح السكرتير الخاص للرئيس السادات للمعلومات، وبات مسؤولاً عن ملفات استراتيجية غاية في الحساسية والسرية لا يملك حق الاطلاع عليها سوى قلة قليلة من رجال الدولة.

التشييع الرسمي والجدل الإسرائيلي
عقب الحادثة بأيام، نُقل جثمان أشرف مروان إلى القاهرة حيث شُيع في جنازة رسمية مهيبة تقدمها كبار رجال الدولة، ولُف نعشه بالعلم المصري في إشارة واضحة لتقدير الدولة له. وقد زاد من ثقل هذا التقدير التصريحات الرسمية الصادرة عن الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، الذي وصف مروان بأنه كان «وطنيًا مخلصًا» قدم خدمات جليلة لبلده، مؤكدًا أن القيادة المصرية كانت على علم تام بكل ما يقوم به.
لكن على الجانب الآخر، وفي ذات الوقت الذي كانت فيه القاهرة تودع مروان وداع الأبطال، كان جهاز الاستخبارات الإسرائيلي «الموساد» يرى في الراحل رواية مغايرة تمامًا. فوفقًا للأدبيات والسجلات الأمنية الإسرائيلية، كان مروان يُعرف لديهم بالاسم الحركي «الملاك»، ويُصنف كأحد أهم الجواسيس الذين عملوا لصالح إسرائيل في القرن العشرين.
طبقًا للرواية الإسرائيلية، قدّم مروان للموساد معلومات استخباراتية وُصفت بالثروة التي لا تقدر بثمن، مستفيدًا من موقعه الحساس في قمة الهرم السياسي المصري. وتصل الرواية ذروتها بالحديث عن ليلة الخامس من أكتوبر عام 1973، عندما التقى مروان برئيس الموساد آنذاك، تسفي زامير، في لندن بشكل سري، محذرًا إياه من أن الحرب ستندلع في اليوم التالي.
لغز السقوط والتحقيقات المعلقة
فتحت الشرطة البريطانية (سكوتلاند يارد) تحقيقًا مطولاً لمعرفة ملابسات السقوط. فحصت التقارير الطبية الجنائية بدقة بحثًا عن أي مؤشرات لعنف جسدي أو مقاومة سبقت السقوط، إلا أن الفحوصات لم تسفر عن أدلة قاطعة تؤكد وقوع اعتداء جسدي مباشر قبل لحظة السقوط من الشرفة.
وفي المقابل، واجهت فرضية الانتحار شكوكًا قوية؛ فالراحل لم يترك وراءه أي رسالة وداع، ولم تظهر عليه في الأيام السابقة للحادث أي علامات للاكتئاب أو الرغبة في إنهاء حياته. بل على العكس، كشفت سجلاته وأوراقه الخاصة عن خطط مستقبلية وشيكة وتجهيزات للسفر إلى الولايات المتحدة برفقة عائلته.
دفعت هذه التناقضات جهات التحقيق البريطانية إلى إبقاء ملف القضية مفتوحًا دون الجزم بسبب الوفاة. وما زاد من غموض الحادثة، شهادة أحد الشهود التي أفادت برؤية رجلين بملامح متوسطية يرتديان بدلاً رسمية واقفين على شرفة قريبة يتطلعان نحو الأسفل فور سقوط مروان، وهي الشهادة التي لم تترجم إلى اتهام جنائي لغياب الدليل المادي، لكنها بقيت معلقة كعلامة استفهام كبرى.
بين التكريم الرسمي في مصر باعتباره بطلاً قومياً خدع استخبارات العدو، والتبني الإسرائيلي له كأعظم جاسوس في تاريخهم، تظل حكاية أشرف مروان لغزاً استخباراتياً معقداً؛ هل كان عميلاً مزدوجاً تلاعب بالجميع ولعب لعبة أكبر من قدرة الطرفين على استيعابها؟ أم أن موته في لندن كان الثمن الأخير لإبقاء أسراره مدفونة معه إلى الأبد؟


