في واحد من أكثر الأماكن تحصينًا في العالم، حيث تقع المنشأة النووية مدفونة تحت طبقات من الأرض والخرسانة، واجهت أجهزة الأمن تحديًا من نوع غير مسبوق. لم يكن المهاجم يحمل قنبلة أو سلاحًا ناريًا، بل كان يحمل وسيطًا رقميًا صغيرًا للغاية—وحدة تخزين محمولة (فلاشة) تختبئ في ثنايا الكود الخاص بها برمجية خبيثة صُممت بدقة متناهية لتقوم بمهمة تخريبية صامتة دون أن تثير أي إنذار.
بدأت القصة تنكشف فصولها بعد سنوات من التخطيط والعمل السري، حيث أثبتت التحقيقات أن هذا الكود الرقمي لم يكن مجرد فيروس عادي يهدف إلى سرقة البيانات أو تدمير أنظمة التشغيل، بل كان سلاحًا عسكريًا حقيقيًا مصممًا لضرب هدف واحد بعينه، مستعينًا بالقدرة على التخفي والانتشار حتى يجد البصمة الرقمية للضحية المستهدفة.
سرقة الأضواء من الصحراء الكتمان في نطنز
لأعوام طويلة، ظلت الأنشطة النووية الإيرانية محاطة بجدار سميك من السرية، حتى جاء شهر أغسطس من عام 2002. في ذلك الوقت، عقدت جماعة معارضة إيرانية مؤتمرًا صحفيًا كشفت فيه للعالم عن وجود موقعين نوويين سريين لم يكن المجتمع الدولي على دراية كاملة بأبعادهما: موقع بالقرب من مدينة «أراك»، وآخر في عمق الصحراء بالقرب من «نطنز».
تحول موقع نطنز فجأة إلى مركز للأزمة الدولية. وعندما تمكن مفتشو الوكالة الدولية للطاقة الذرية من زيارة الموقع لاحقًا، وجدوا منشأة ضخمة مبنية تحت الأرض لتوفير الحماية الكاملة ضد الضربات الجوية، ومجهزة لاستيعاب آلاف الماكينات الدقيقة. لم تكن نطنز مفاعلاً لإنتاج الطاقة الكهربائية، بل كانت مصنعًا لتجهيز الوقود النووي عبر عملية معقدة تُعرف باسم «تخصيب اليورانيوم».
يعتمد التخصيب على زيادة نسبة نظير اليورانيوم 235 القابل للانشطار بسهولة، والذي لا تتجاوز نسبته الطبيعية في الخام المستخرج من الأرض 0.7%. ومن أجل رفع هذه النسبة إلى 3% أو 5% للاستخدام المدني، أو إلى 90% لصناعة سلاح نووي، يتعين تحويل اليورانيوم إلى غاز وضخه داخل ما يُعرف بأجهزة الطرد المركزي.

هندسة التخريب من الداخل
تعتمد أجهزة الطرد المركزي على الدوران بسرعة هائلة تفوق سرعة الصوت لفصل النظائر الخفيفة عن الثقيلة. هذه الأجهزة حساسة للغاية؛ فهي عبارة عن أنابيب معدنية رفيعة تدور حول محورها بدقة متناهية، وأي اهتزاز طفيف أو تغيير مفاجئ في السرعة قد يؤدي إلى تدمير الجهاز بالكامل وتحويله إلى قطع معدنية متناثرة.
لإدارة هذه المنظومة المعقدة، يتم ربط آلاف الأجهزة في سلاسل متصلة تتحكم فيها برمجيات صناعية مخصصة تفتح الصمامات وتغلقها وتراقب الضغط والسرعة. من هنا ولدت فكرة جهنمية لدى أجهزة استخبارات غربية: بدلاً من قصف المنشأة بالطائرات والدخول في حرب إقليمية مفتوحة، لماذا لا يتم اختراق نظام التحكم وجعل الماكينات تدمر نفسها بنفسها؟
ولادة السلاح الرقمي «أوليمبيك جيمز»
طبقًا للسجلات والتحقيقات الاستقصائية، بدأ مشروع سري مشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل حمل اسم «أوليمبيك جيمز» في عهد الرئيس جورج بوش الابن. كان الهدف هو بناء سلاح سيبراني هجين يتطلب تضافر جهود خبراء البرمجة، ومهندسي التحكم الصناعي، وخبراء الفيزياء النووية.
صمم المطورون النسخة الأولى من الفيروس، والتي عُرفت لاحقًا باسم «ستاكسنت 0.5»، لتستهدف ملفات المشاريع الهندسية الخاصة بشركة «سيمنز» الألمانية، والتي كانت إيران تعتمد على أجهزتها لإدارة الصمامات ومحولات التردد في نطنز. تم بناء بيئة اختبارية تحاكي المفاعل تمامًا، واستُعين بالتصاميم الباكستانية الأصلية لأجهزة الطرد المركزي من طراز «بي وان» (التي حصلت عليها إيران عبر شبكة عبد القدير خان وتطابقت مع الأجهزة الليبية التي فحصتها أمريكا سابقًا) لضمان دقة الهجوم.
كان الفيروس ذكيًا لدرجة أنه لا ينشط إلا إذا تحقق من وجود بصمة صناعية محددة للغاية: أسماء صمامات معينة، وترتيب دقيق لسلاسل أجهزة الطرد، واتصال مباشر بوحدات تحكم سيمنز المعنية. وإذا لم تتوفر هذه الشروط، يظل الفيروس كامنًا وصامتًا تمامًا دون إحداث أي ضرر على أجهزة الكمبيوتر العادية.
إريك فان سابين.. عبور الفجوة الهوائية
بما أن منشأة نطنز كانت معزولة تمامًا عن شبكة الإنترنت العالمية (فيما يعرف بالفجوة الهوائية Air Gap)، كان لا بد من وجود عنصر بشري يتجاوز هذا الحاجز المادي ليزرع الفيروس في الداخل.
تشير تحقيقات صحفية نشرت في أوائل عام 2024 إلى أن المخابرات الهولندية نجحت في تجنيد مهندس هولندي يدعى «إريك فان سابين»، كان يعمل في قطاع النفط والغاز بدبي ومتزوجًا من إيرانية. بفضل طبيعة عمله وتردده المستمر على إيران، تمكن فان سابين في عام 2007 من إدخال معدات صناعية مصابة بالبرمجية الخبيثة—ربما كانت مضخة مياه أو جهاز تحكم مبرمج—إلى داخل المنشأة دون إثارة الشبهات.
بمجرد توصيل المعدات أو تشغيل الملفات الهندسية المصابة، استيقظ الفيروس وبدأ بفحص النظام. وعندما تطابقت البصمة الصناعية لنطنز مع الأوامر المشفرة في كوده، بدأ تنفيذ الشق التخريبي: تغيير ضغط الغاز داخل السلاسل عبر التلاعب بالصمامات، مع تسجيل قراءات التشغيل الطبيعية وإعادة عرضها على شاشات غرف التحكم لخداع المهندسين البشريين وإقناعهم بأن كل شيء يسير على ما يرام.
السلاح يتعلم المشي والانتشار الذاتي
لم تكتفِ الجهات المطورة بالنجاح الأولي؛ بل أرادت تسريع وتيرة الهجوم وتقليل الاعتماد على العنصر البشري المباشر. في عام 2009، ظهرت نسخة مطورة ومعدلة من ستاكسنت حظيت بقدرة هائلة على الانتشار الذاتي.
استغلت هذه النسخة ثغرات أمنية غير معروفة في نظام التشغيل ويندوز تُعرف بثغرات «يوم الصفر» (Zero-Day)، تتيح للفيروس الانتقال تلقائيًا بمجرد إدخال الفلاشة في الجهاز دون الحاجة لفتح أي ملف. ولكي يتفوق الفيروس على برامج الحماية، استعمل المطورون شهادات رقمية مسروقة من شركات تكنولوجية كبرى في تايوان لإعطاء الملفات مظهرًا موثوقًا ومعتمدًا.
استهدفت هذه الموجة الجديدة من الإصابات شركات المقاولات والهندسة الخارجية التي تمد منشأة نطنز بالخدمات. وبفضل الحركة الطبيعية لهؤلاء المهندسين الذين يتنقلون بحواسبهم وفلاشاتهم بين الشركات والمنشأة المعزولة، شق الفيروس طريقه تلقائيًا إلى قلب مفاعل التخصيب.
الضربة القاضية والتلاعب بالسرعات
في هذه المرحلة، تغير التكتيك التخريبي؛ فبدلاً من اللعب بالصمامات، ركز الفيروس على محولات التردد التي تمد محركات أجهزة الطرد بالطاقة وتتحكم في سرعة دورانها.
كان الفيروس يترقب استقرار الماكينات، ثم يرسل فجأة أوامر ترفع سرعة الدوران إلى مستويات قصوى تفوق قدرة تحمل المعادن، تليها فترة خفض حاد للسرعة، قبل أن يعيد الأمور إلى طبيعتها. وبسبب هذا التذبذب غير المحسوب والمستمر على فترات متباعدة، بدأت أجهزة الطرد المركزي تتلف وتتحطم ماديًا واحدًا تلو الآخر.

وطوال فترة الهجوم، كان الفيروس يعترض البيانات المتجهة إلى نظام المراقبة ويعرض قراءات وهمية ومستقرة تمامًا. وقف المهندسون الإيرانيون عاجزين؛ فالأجهزة تتلف ماديًا أمام أعينهم ويضطرون لاستبدالها باستمرار، في حين تؤكد شاشات الكمبيوتر أن العمل يجري بكفاءة 100%. وبحسب تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، تسببت هذه العملية في إتلاف واستبدال ما يقرب من 1000 جهاز طرد مركزي خلال تلك الفترة.
الهروب العظيم وانكشاف السر
لكن السلاح الفتاك لم يبقَ حبيس الجدران الخرسانية لنطنز. وبسبب آليات الانتشار الذاتي القوية التي زُود بها، تسلل الفيروس خارج المنشأة عبر الحواسب المحمولة للمهندسين الإيرانيين، وبدأ في الانتشار عبر الإنترنت ليصيب آلاف الأجهزة حول العالم.
في يونيو 2010، عثرت شركة أمن معلومات صغيرة في بيلاروسيا على البرنامج الخبيث أثناء فحص أجهزة أحد العملاء في إيران. سرعان ما انتقل الملف إلى يد الخبراء الدوليين، ومن بينهم الباحث الألماني «رالف لانغنر» الذي ركز على فك تشفير الجزء المسؤول عن التعامل مع الوحدات الصناعية.
هنا انهار جدار السرية؛ وأدرك العالم أنهم أمام أول سلاح رقمي موجه قادر على إحداث دمار مادي ملموس في العالم الحقيقي. اعترفت إيران لاحقًا بالهجوم، وعلى الرغم من أن ستاكسنت لم ينهِ البرنامج النووي الإيراني بالكامل، إلا أنه نجح في تأخيره وإدخال منظومته في حالة من الشك والارتباك الطويل.
أسس ستاكسنت لعقيدة عسكرية جديدة؛ فالكمبيوتر لم يعد مجرد أداة للتجسس أو تعطيل المواقع، بل أصبح سلاحًا قادرًا على ملامسة المعدن وتدمير المنشآت الحيوية كالمحطات المائية والكهربائية وصمامات الغاز. لقد فتح هذا الفيروس صندوقًا أسود للجرائم السيبرانية، ليدشن عصرًا جديدًا تتلاشى فيه الحدود بين العالم الافتراضي والواقع المادي.


